القاضي عبد الجبار الهمذاني

186

تثبيت دلائل النبوة

سيف النصرانية من أول امرها إلى هذه الغاية . وقد دعا واحد من اليهود الخزر وهم أمم كثيرة فأجابوه ودخلوا في دينه عن قرب ، وفي أيام بني العباس ودولتهم ، ولو أراد مريد ان يدعي انهم إنما أجابوا إلا بالآيات والمعجزات كما يدعي النصارى لمن تنصر لأمكنه ذلك وكان أولى بالشغب من النصارى ، فإن هذا رجل واحد قصد إلى ملك عظيم الشأن ، وإلى قوم أولى بأس شديد ، فأجابوه بلا غلبة ولا سيف ، وتحملوا ما في شريعة التوراة من الشدة بالختان والوضوء وغسل الجنابة وتحريم الأعمال في السبت والأعياد ، وتحريم ما في هذه الشريعة من الحيوان ، إلى غير ذلك . ولعل اليهود تدعى لهذا الداعي الآيات والمعجزات ، فمنهم من يجيزها للصالحين منهم وهذا أولى بالشبه مما تدعيه النصارى ، ولكن النصارى اكذب وأشد جرأة على ادعاء ما لم يكن . ثم يقال للنصارى : ادعيتم لدينكم الضيق والصعوبة ، وقلتم : هذا أحد الأدلة على صحته وعلى أن الأمم لم تقبله ولم تدخل فيه إلا بالآيات ، فقد عرفنا من قولهم في الآيات ، ولو كان ضيقا صعبا شديدا لما دل ذلك على صحته فإن دعواهم هذه كدعواهم المعجزات . / وليس يدل على صحة الدين ضيقه وصعوبته ، بل ربما احتال الممخرق والمبطل على صحة ما يدعو إليه بالتصوف والتقشف وكثرة العبادة والمضايقة فيما يدعو إليه إلى أن يتمكن ، ثم يظهر مساوئه ، ويكون ذلك له شبهة على من يرى ذلك ويسمعه ، والنفوس ترحم المتصوف والمتقشف المواصل الصلاة والصيام وإن كان مبطلا ، ويحسن ظنهم فيه ، ويسرعون إلى القبول منه قبل النظر في حاله ، ويكتفون بما يظهر منه عن البحث عن حاله ، وفي النظر والبحث شدة ومشقة ، وتنفر نفوسهم عن